الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

18

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

الغنّات ، وتفكيك الحروف ؛ وهو بيانها وإخراج بعضها من بعض بالسكت والترسّل والتّؤدة والوقف على الوقوف الجائزة ، والإتيان بالإظهار والإدغام على وجهه ، وهو مذهب ورش من غير طريق الأصبهاني عنه ، وحمزة ، وعاصم ، وهو الذي يستحسن ، ويستحب الأخذ به للمعلمين من غير أن يتجاوز فيه إلى حد الإفراط من تحريك السواكن وتوليد الحروف من إشباع الحركات وتكرير الراءات وتطنين النونات بالمبالغة في الغنّات ، إلى غير ذلك مما تنفر عنه الطباع ، وتمجّه القلوب والأسماع . وأما الحدر فهو مصدر من حدر بالفتح يحدر بالضم إذا أسرع ، فهو من الحدور الذي هو الهبوط ؛ لأن الإسراع من لازمه ، وهو عندهم عبارة عن إدراج القراءة وسرعتها مع مراعاة أحكام التجويد من إظهار وإدغام وقصر ومدّ ووقف ووصل وغير ذلك ، مع ملاحظة الجائز من الوقوف ؛ إذ مراعاة الوقف والابتداء وجوبا وامتناعا وحسنا وقبحا - على ما يأتي بيانه - من محاسن القراءة تزيدها رونقا وبهاء . وسئل الأهوازي عن الحذر فقال : الحدر هو القراءة السمحة العذبة الألفاظ التي لا تخرج القارئ عن طباع العرب العرباء ، وعمّا تكلمت به الفصحاء ، بعد أن يأتي بالرواية عن إمام من أئمة القراءة على ما نقل عنه من المدّ والهمز والقطع والوصل والتشديد والتخفيف والإمالة والتفخيم والاختلاس والإشباع ، فإن خالف شيئا من ذلك كان مخطئا . وليحترز فيه عن بتر حروف المدّ ، وذهاب صوت الغنّة ، واختلاس أكثر الحركات ، وعن التفريط إلى غاية لا تصحّ بها القراءة ولا توصف بها التلاوة ، وهذا النوع - وهو الحدر - مذهب من قصر المنفصل كابن كثير وقالون وأبي عمرو ويعقوب وأبي جعفر والأصبهاني عن ورش . وأما التدوير : فهو عبارة عن التوسّط بين مرتبتي التحقيق والحدر ؛ وهو الذي ورد عن أكثر الأئمة ممن روى مدّ المنفصل ولم يبلغ فيه حدّ الإشباع ؛ كابن عامر والكسائي . وأما الترتيل : فهو مصدر من رتّل فلان كلامه إذا أتبع بعضه بعضا على مكث وتفهم من غير عجلة ، وهو الذي نزل به القرآن ؛ قال اللّه تعالى : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [ الفرقان : الآية 32 ] روي عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه يحبّ أن يقرأ القرآن كما أنزل » أخرجه ابن خزيمة في صحيحه . وقد أمر اللّه تعالى به نبيه صلى اللّه عليه وسلم فقال : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [ المزمّل : الآية 4 ] قال ابن عباس : بيّنه . وقال مجاهد : تأنّ فيه . وقال الضحاك : انبذه حرفا حرفا كأن اللّه تعالى يقول تثبّت في قراءتك ، وتمهّل فيها وافصل الحرف من الحرف الذي بعده ، ولم يقتصر سبحانه على الأمر بالفعل حتى أكّده بالمصدر اهتماما به وتعظيما له ليكون ذلك عونا على تدبّر القرآن وتفهّمه ، وكذلك كان صلى اللّه عليه وسلم يقرأ .